ابن قيم الجوزية

25

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

وقوله ( وحياته هي نفسه الخ ) بيان لما يلزم مذهبهم في النفي من تناقض وافتراء حيث جعلوا حياته هي نفسه وذاته ، وجعلوا كلامه مغايرا له منفصلا عنه مع أنهما متماثلان في أن كلا منهما معنى قائم به . وكذاك قالوا ما له من خلقه * أحد يكون خليله النفساني وخليله المحتاج عندهم وفي * ذا الوصف يدخل عابد الأوثان فالكل مفتقر إليه لذاته * في أسر قبضته ذليل عان ولأجل ذا ضحى بجعد خالد ال * قسري يوم ذبائح القربان إذ قال إبراهيم ليس خليله * كلا ولا موسى الكليم الداني شكر الضحية كل صاحب سنة * للّه درك من أخي قربان الشرح : أنكر الجهمية صفة الخلة التي هي كمال المحبة المستغرقة للمحب بدعوى أن المحبة لا تكون إلا لمشاكلة ومناسبة بين المحب والمحبوب ، ومعلوم أنه لا مناسبة بين القديم والحادث توجب ذلك . وحرفوا الكلم عن مواضعه فقالوا : ان معنى الخليل في قوله تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [ النساء : 125 ] الفقير المحتاج . ولا شك في فساد هذا التأويل ، إذ لا يكون حينئذ لتخصيص إبراهيم بالخلة معنى ، فإن الفقر والاحتياج لازم لجميع الخلق لزوما ذاتيا لا يمكن الانفكاك عنه ، وبذلك يكون وصف الخلة متناولا لجميعهم حتى عبدة الأوثان الذين هم ألد أعداء الرحمن . فقوله ( وفي ذا الوصف . . . الخ ) رد على الجهمية في تفسيرهم الخليل بالفقير المحتاج بأنه يدخل فيه عموم الخلق ، ومنهم عبدة الأوثان لافتقار الجميع إليه افتقارا ذاتيا لا يتصور معه استغناء في أي لحظة ، والكل في قهر قبضته خاضع ذليل . وكذلك أنكروا حقيقة التكليم الذي هو مشافهة اللّه لبعض عباده من وراء حجاب ، كما هو ثابت لموسى بالكتاب ولنبينا محمد عليهما الصلاة والسلام ليلة